فخر الدين الرازي

209

تفسير الرازي

الفعل لهذا السبب وأما قراءة الباقين * ( وإن يكن ) * بالياء * ( ميتة ) * بالنصب . فتأويلها ، وإن يكن المذكور ميتة ذكروا الفعل لأنه مسند إلى ضمير ما تقدم في قوله : * ( ما في بطون هذه الأنعام ) * وهو مذكر ، وانتصب قوله * ( ميتة ) * لما كان الفعل مسنداً إلى الضمير . قوله تعالى * ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَآءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى ذكر فيما تقدم قتلهم أولادهم وتحريمهم ما رزقهم الله . ثم إنه تعالى جمع هذين الأمرين في هذه الآية وبين ما لزمهم على هذا الحكم ، وهو الخسران والسفاهة ، وعدم العلم ، وتحريم ما رزقهم الله ، والافتراء على الله ، والضلال وعدم الاهتداء ، فهذه أمور سبعة وكل واحد منها سبب تام في حصول الذم . أما الأول : وهو الخسران ، وذلك لأن الولد نعمة عظيمة من الله على العبد ، فإذا سعى في إبطاله ، فقد خسر خسراناً عظيماً لا سيما ويستحق على ذلك الإبطال الذم العظيم في الدنيا ، والعقاب العظيم في الآخرة . أما الذم في الدنيا فلأن الناس يقولون قتل ولده خوفاً من أن يأكل طعامه وليس في الدنيا ذم أشد منه . وأما العقاب في الآخرة ، فلأن قرابة الولادة أعظم موجبات المحبة فمع حصولها إذا أقدم على إلحاق أعظم المضار به كان ذلك أعظم أنواع الذنوب ، فكان موجباً لأعظم أنواع العقاب . والنوع الثاني : السفاهة وهي عبارة عن الخفة المذمومة ، وذلك لأن قتل الولد إنما يكون للخوف من الفقر ، والفقر وإن كان ضرراً إلا أن القتل أعظم منه ضرراً ، وأيضاً فهذا القتل ناجز وذلك الفقر موهوم فالتزام أعظم المضار على سبيل القطع حذراً من ضرر قليل موهوم ، لا شك أنه سفاهة . والنوع الثالث : قوله : * ( بغير علم ) * فالمقصود أن هذه السفاهة إنما تولدت من عدم العلم ولا شك أن الجهل أعظم المنكرات والقبائح .